الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
283
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز أن تكون فعلا ماضيا ، والواو لأهل مكّة فيكون كالاعتراض في إجراء القصة لقصد العبرة بمنزلة الاعتراض الواقع في قصّة نوح - عليه السّلام - بقوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ [ هود : 35 ] الآية . خاطب اللّه نبيّه صلى اللّه عليه وسلم وأمره بأن يقول لهم : فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ . والفاء الأولى لتفريع الاعتبار على الموعظة وتكون جملة فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ من كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم مقول قول مأمور به محذوف يدلّ عليه السياق . والتقدير : فقل قد أبلغتكم . وهذا الأسلوب من قبيل الكلام الموجّه المحتمل معنيين غير متخالفين ، وهو من بديع أساليب الإعجاز ، ولأجله جاء فعل تَوَلَّوْا بتاء واحدة بخلاف ما في قوله : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [ محمد : 38 ] . والتولّي : الإعراض . وقد تقدّم في قوله تعالى : وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ، في سورة النساء [ 80 ] . وجعل جواب شرط التولّي قوله : فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مع أنّ الإبلاغ سابق على التولّي المجعول شرطا لأنّ المقصود بهذا الجواب هو لازم ذلك الإبلاغ ، وهو انتفاء تبعة تولّيهم عنه وبراءته من جرمهم لأنّه أدّى ما وجب عليه من الإبلاغ ، فإن كان من كلام هود - عليه السّلام - ف ما أُرْسِلْتُ بِهِ هو ما تقدّم ، وإن كان من كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم فما أرسل به هو الموعظة بقصّة قوم هود - عليه السّلام - . وعلى كلا الوجهين فهو كناية عن الإنذار بتبعة التولّي عليهم ونزول العقاب بهم ، ولذلك عطف وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ أي يزيلكم ويخلفكم بقوم آخرين لا يتولون عن رسولهم ، وهذا كقوله تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [ محمد : 38 ] . وارتفاع يَسْتَخْلِفُ في قراءة الكافّة لأنّه معطوف على الجواب مجاز فيه الرفع والجزم . وإنما كان الرفع هنا أرجح لإعطاء الفعل حكم الكلام المستأنف ليكون مقصودا بذاته لا تبعا للجواب ، فبذلك يكون مقصودا به إخبارهم لإنذارهم بالاستئصال . وكذلك جملة وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً والمراد لا تضرون اللّه بتولّيكم شيئا و شَيْئاً مصدر مؤكد لفعل تَضُرُّونَهُ المنفي . وتنكيره للتّقليل كما هو شأن تنكير لفظ الشيء غالبا . والمقصود من التّأكيد التّنصيص على العموم بنفي الضر لأنّه نكرة في حيّز النفي ، أي فاللّه يلحق بكم الاستئصال ، وهو